الكتابة عن “الإنسان الرابع” بعد مشاهدة واحدة ليست مهمة سهلة. مسرح توفيق الجبالي لا يُفهم مباشرة، بل يُعاش ويستمر بعد نهاية العرض.

عودة توفيق الجبالي إلى الركح كانت لحظة مهمة خاصة لروّاد التياترو. هذا الفضاء الذي جمع أجيالاً مختلفة من الممثلين والمبدعين، لا يزال يحافظ على هذا الامتداد بين الأجيال دون قطيعة.

هذا العمل الجديد، الذي أعاد فيه الجبالي حضوره على الركح بعد سنوات من الغياب عن التمثيل، يأتي بعد مسرحيته «صفر فاصل». لكن فكرة “العودة” تظل نسبية. فكل من يعرف فضاء التياترو يدرك أنه لم يتوقف يومًا عن الكتابة، والتكوين، والإخراج.

منذ البداية، يُعرض نص يمهّد للعرض. المسرح هنا ليس للترفيه، بل هو فعل مقاومة وطريقة للبقاء. كما يحمل إهداءً لأسماء رحلت وبقي أثرها في هذا الفضاء.

العمل يطرح سؤال الإنسان في هذا العصر. إنسان لم يعد يشعر كما كان، لم يعد يهتم بما يحدث حوله، يعيش في عالم من الصور والمعلومات المتدفقة.

يقول توفيق الجبالي:

“هذا هو دور المسرح… أن يستفز بصفة إيجابية… وأن يخلق إضاءة جديدة في الذهن، في الحياة، في الكون، في الوجود، في الوجدان”. المسرحية لا تقدم إجابات، وربما لا توجد إجابات أصلاً.

في هذا السياق، لا يسعى المسرح إلى أن يكون متاحًا للجميع. وتوفيق الجبالي لا يحاول إرضاء الجميع. هذا واضح في أعماله، وفي حضوره، وحتى في مواقفه العلنية.

تقول ياسمين الدماسي، مساعدة الإخراج، إن العمل مع توفيق الجبالي يطرح دائمًا أسئلة حول الإنسان وما بعد الإنسان، دون تقديم إجابات جاهزة. كل متفرّج مدعو لبناء قراءته الخاصة.

العرض لا يسير وفق حكاية تقليدية. هو مجموعة من المشاهد المتقطعة، تعكس عالمًا مفككًا بدوره، يصعب فهمه بشكل كامل.

بصريًا، نلاحظ العمل الكبير على الإضاءة والفضاء. السينوغرافيا ليست مجرد خلفية، بل عنصر أساسي في بناء المعنى. كما تم إدماج عناصر رقمية بشكل منسجم مع بقية العرض.
الجسد حاضر بقوة. الممثلون يعيدون، يكررون، يكسرون الإيقاع. هذا التكرار يعكس واقعنا اليومي، حيث تتكرر الصور والكلمات بشكل مستمر.

من أبرز النقاط أيضًا حضور الشخصيات النسائية، كل واحدة تحمل تجربتها الخاصة دون أن تذوب في الأخرى. على الركح، يلفت حضور حقيبة اليد النسائية الانتباه. ليست مجرد عنصر إكسسوار، بل تتحول إلى علامة دالة داخل العرض. تتكرر، تتنقل بين الشخصيات، وتحمل معها طبقات من المعنى. ترتبط بالهوية، بالصورة، وبما تحمله الشخصيات معها، ظاهريًا وضمنيًا. هذا التفصيل البسيط يفتح قراءة أوسع حول الجسد، والتمثّل، وما يُعرض وما يُخفى.

مشاركة سرور الجبالي إلى جانب والدها تعكس هذا الامتداد بين الأجيال داخل نفس التجربة المسرحية.

ما يبقى بعد العرض هو الشعور بالقلق. نخرج بأسئلة أكثر من إجابات. حول الإنسان، حول ما أصبح عليه، وحول ما نقبله دون أن ننتبه.

رغم الضحك في بعض اللحظات، فإن العمل يحمل حزنًا عميقًا. كأننا نشهد نهاية شكل من أشكال الإنسانية، نهاية تحدث بهدوء، دون مقاومة. في «الإنسان الرابع»، لا يسعى توفيق الجبالي إلى طمأنة المتفرّج. بل يضعه أمام حالة من القلق لا تختفي مع إسدال الستار.

«الإنسان الرابع» ليس كائنًا بعيدًا. هو حاضر، هنا، الآن.

  • النص والتصوّر والإخراج: توفيق الجبالي
  • التمثيل: أمينة البديري، سليمة العياري، أروى الرحالي، هادي حليل، مهدي الكامل، سرور الجبالي، توفيق الجبالي
  • مساعدة في الإخراج: ياسمين الدماسي
  • الصور: مسرح التياترو
الصور: مسرح التياترو، تصوير بعد الله القرشي

 

Author

"بينتنا" هو وسيلة إعلامية نسائية تونسية رقمية، أُسست بهدف إلهام النساء وإعطائهن صوتاً ومساحة للتعبير. يجمع "بينتنا" بين مهنية الصحافة وعفوية التدوين، ليقدّم محتوى متنوعاً يمزج بين الشهادات الشخصية، النصائح العملية، التجارب اليومية، وأفضل الخطط الخاصة بالمرأة التونسية. يركّز "بينتنا" على القضايا التي تهم النساء مثل الصحة النفسية والجسدية، التوازن بين الحياة المهنية والعائلية، الحقوق، الموضة، الجمال، والمواضيع الاجتماعية. كما يوفّر منصة للتفاعل والنقاش، ويعمل على نشر رسائل إيجابية تدعم تمكين المرأة وتقدّر جهودها في المجتمع.

Write A Comment

Exit mobile version